صديق الحسيني القنوجي البخاري

139

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقال أبو عبيدة : معنى مسحورا أن له سحرا أي رئة فهو لا يستغني عن الطعام والشراب فهو مثلكم وتقول العرب للجبان قد انتفخ سحره وكل من كان يأكل من آدمي أو غيره مسحور ، قال ابن قتيبة : لا أدري ما حمله على هذا التفسير المستكره مع أن السلف فسروه بالوجوه الواضحة . انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ أي قالوا تارة إنك كاهن وتارة ساحر وتارة شاعر وتارة مجنون فَضَلُّوا عن طريق الصواب في جميع ذلك وحادوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى الهدى أو الحق أو الطعن الذي تقبله العقول السليمة ويقع التصديق له لا أصل الطعن فقد فعلوا منه ما قدروا عليه وقيل لا يستطيعون محرجا لتناقض كلامهم كقولهم ساحر كاهن مجنون شاعر . ولما فرغ سبحانه من حكاية شبهة القوم في النبوات حكى شبهتهم في أمر المعاد فقال وَقالُوا أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً الاستفهام للاستنكار والاستبعاد لما بين رطوبة الحي ويبوسة الرميم من المباعدة والمنافاة وتقرير الشبهة أن الإنسان إذا مات جفت عظامه وتناثرت وتفرقت في جوانب العالم واختلطت بسائطها بأمثالها من العناصر فكيف يعقل بعد ذلك اجتماعها بأعيانها ثم عود الحياة إلى ذلك المجموع . فأجاب سبحانه عنهم كما سيأتي بأن إعادة بدن الميت إلى حال الحياة أمر ممكن ولو فرضتم أن بدنه قد صار أبعد شيء من الحياة ومن رطوبة الحي كالحجارة والحديد فهو كقول القائل أتطمع فيّ وأنا ابن فلان فيقول كن ابن السلطان أو ابن من شئت فسأطلب منك حقي . والرفات ما تكسر وبلى من كل شيء كالفتاة والحطام والرضاض قاله أبو عبيدة والكسائي والفراء والأخفش يقول منه رفت الشيء رفتا أي حطم فهو مرفوت وقيل الرفات الغبار قاله ابن عباس وقيل التراب ، قال مجاهد ويؤيده إنه تكرر في القرآن ترابا وعظاما ، وقيل الرفات هو ما بولغ في دقه وتفتيته وهو اسم لأجزاء ذلك الشيء المفتت أي أجزاء متفتتة . أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً كرر الاستفهام الدال على الاستنكار والاستبعاد تأكيدا وتقريرا قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً قال ابن جرير : معناه إن عجبتم من إنشاء اللّه لكم عظاما ولحما فكونوا أنتم حجارة في الشدة أو حديدا في القوة إن قدرتم على ذلك . وقال علي بن عيسى : معناه إنكم لو كنتم حجارة أو حديدا لم تفوتوا اللّه عز وجل إذا أرادكم إلا أنه خرج مخرج الأمر لأنه أبلغ من الإلزام . وقيل معناه لو كنتم حجارة أو حديدا لأعادكم كما بدأكم ولأماتكم ثم أحياكم قال النحاس : وهذا قول حسن لأنهم لا يستطيعون أن يكونوا حجارة أو